الفنانة سليمى عثمان بابكر  جلال داؤود

الفنانة سوزان ابراهيم

أفاقت عند الفجر .. و هي على سريرها شبه عارية.. فسحبتْ الغطاء عليها .. بينما كانت كل ملابسها ملقاة في نفس المكان بالقرب من التمثال النصفي.... بينما إختفتْ اللفافة ..
شخصتْ جزعة ببصرها إلى حيث يرقد ( صابر ) فوجدته مستغرقاً في النوم ...
جسدها مبلل بالعرق .. و بأشياء أخرى إحتارت في كنْهها .. و مصدرها ..
و في حلقها طعم الغبار المنبثق من اللفافة .. و أحشاؤها تتحدث عن جسد مازجها طوال الليل.
عندما عادت من ( زريبة ) الغنم .. تأكدتْ من إحساسها المخيف ..
بحثتْ عن اللفافة طويلاً في كل أرجاء البيت و ما حوله دون جدوى.
دلفتْ إلى الحوش و هي متهالكة .. و مضعضعة النفس ..
حانت منها إلتفاتة إلى حيث التمثال .. فندتْ عنها صرخة مكتومة ..
فقد وجدت التمثال قد عاد كما كان يسند لوح الخشب ..
تقدمتْ منه بحذر و وجل ..
أزاحت اللوح .. فوجدت طبقة الطين قد عادت إليه كما كان من ذي قبل ..
جحظتْ عيناها و فغرت فمها لفترة لا تعلم مداها ..
و تسللتْ متراجعة إلى غرفتها ...
خوف مشوب بشعور لا تدري مغزاه ..
أشار إليها ( صابر ) يستفسر عن شحوب وجهها .. أشارت إليه بما يطمئنه و هي تضع إبتسامة متكلفة ..
كعادته .. تناول ( صابر ) طعامه المفضل .. ثم إنحشر بين طيات مرقده.
ظلت ( طماية ) تنقل بصرها بين مكان التمثال و مكان حادثة الليل .. و ما يشبه رائحة الغبار يدعوها إلى إستنشاقه مرة أخرى ..
يدعوها بقوة و كأنه صوت يستحثها لتفعل ذلك ..
سدَّتْ أنفها بيدها و لكن نداء الرائحة كان كشيء أدمنته منذ وقت طويل ...
و كالمخدرة وجدتْ نفسها تقوم بحفر طبقة الطين الذي كان هشاً هذه المرة فوصلتْ إلى اللفافة في وقت وجيز ..
و إنبثق الغبار .. يغمر وجهها .. و يدفعها شيء للخلف فتراخت له طواعية .. يكبلها تماماً و تروح في غيبوبة لا تستيقظ منها إلا عند الفجر.
 

راحت ( طماية ) تستعجل ساعات النهار ليأتي الليل لتستنشق رائحة الغبار و من ثَمَّ ذلك الشعور الذي طاب لها.
تراقب التمثال في غدوها و رواحها ...
غمرتها حميمية تجاهه ...
تغلغل شعور بالإنتماء لهذا النصف البرونزي و كأنه مخلوق له روح يراقبها بينما هي تكنس بهو البيت .. و تجلس أمام أثافي الطبخ و ( العواسة ) ..
أحستْ بأنه ثالثهما ، هي و ( صابر ) ..
فأضمرتْ في نفسها بأن تسحبه إلى مكان أكثر أماناً حتى لا تعود ( الخواجية ) و تبحث عنه و تجده.
ذلك اليوم .. عنَا لها أن تمارس نهاراً ما تمارسه ليلاً ...
لكن شقيقها ( صابر ) كان بالبيت .. يلهو مع جروه الصغير ..
طلبتْ منه أن يذهب للعب خارج البيت ..
نظر إليها مندهشاً .. فالوقت منتصف النهار .. و حرارة الشمس لافحة ..
أشارت إليه بأن يخرج بوجه صارم ينضح برغبتها المجنونة العارمة ..
و ما أن خرج حتى بدأتْ مشوارها التي لا تدري هي سره .. كيف بدأ و أين ينتهي ..
غبار ...
ثم فقدان سيطرتها على نفسها ..
السباحة في عالم من الخدر الذي إستعذبته ...
و ما أن بدأتْ رحلة الضياع في عالمها السحري ..
أحستْ بأن الجسم يتراخى من فوقها ...
ثم سمعتْ إرتطام جسم قريب منها ..
 

الفنانة رجاء محمود اوشي

رأت ( صابر ) يرتفع عن الأرض ثم يهوي إليه مرة أخرى كمن كان هناك شيء يمسكه من رجليه و يدك به أرضية الحوش..
يرتفع ( صابر ) جاحظ العينين .. يئن كمن يستنجد بشقيقته .. ثم يهوي برأسه على الأرض ..
مرتين أو ثلاثة .. ثم سكنتْ حركته .. و إنبثق الدم من أنفة و فمه و أذنيه ..
إنتفض جسده النحيل كالمذبوح .. ثم تراخى ..
إقتربت منه .. فوجدته قد فارق الحياة و هو لا زال ممسكاً ( بكوز الماء ) بيده اليمنى ..
لعِق الجرو وجه ( صابر ) و وقف يصدر صوتاً و كأنه يستحثه على مواصلة اللعب ..
هبتْ ( طماية ) كالممسوسة .. و أخذتْ ( الطورية ) و إنهالت على التمثال .. حتى إنكسرت العصا ..و طارت يد ( الطورية ) بعيداً و هوتْ بالقرب من الجرو .. فهرول مذعوراً إلى الخارج ..
حشرتْ كمية من الخشب داخل تجويف التمثال و حوله ... و أضرمتْ النار ..
تطايرت ألسنة اللهب ..
سمعتْ حشرجة كصوت حيوان يئن ألماً ...
هرولتْ إلى شقيقها .. و إحتضنته و هي مذهولة تشاهد النيران تعلو حتى سقف ( تعريشة ) البرندة ...
لتمتد إلى بقية الغرف فيزيدها جريد النخل الجاف و جذوعه ضراوة ..
إختلطت طقطقة الخشب بفعل النيران مع الصوت الصادر من تجويف التمثال ..
عندما شاهد أهل القرية الدخان يتصاعد من منزل الأرملة ..
هرعوا يتنادون نحو البيت المحترق ..
قاوموا النيران ( بصفائح ) الماء و ( الجرادل ) يغترفون الماء من جدول ( المشروع ) غير البعيد ..
و لكن النيران كانت أسرع .. فقد أتت على الأخضر و اليابس بالبيت ..
و تصاعدت رائحة إحتراق عدة أشياء صادرة من البيت من بين ألسنة النار و الدخان ..
دخل الأهالي إلى البيت المحترق بحذر .. كانت بقايا ( طماية ) المحترقة تحتضن بقايا شقيقها ( صابر ) ..
قطع حبل السكون المهيمن على الجميع صراخ أحدهم : ( شوفوا نص التمثال .. ياهو دة هنا ) ...
و باتت القرية تتناحر في أحقية الجائزة و لمن تؤول ... و طال جدالهم في إنتظار ( الخواجية ) ..
و يجزمون بأن أصوات ( طماية ) و ( صابر ) و صوت كفحيح الأفاعي ينطلق كل ليلة من بقايا البيت الذي أتتْ عليه النيران. 

 

   

 الفنانة سليمى عثمان بابكر 

 
 

 

طماية ... نصف تمثال من البرونز

 

تتشابك أحداث القرية و رتابتها في عنادٍ ، ملتصقة ببعضها البعض و بمجريات أخرى كأشواك ( الحَسْكَنِيت ) ..
فالنيل يطبق بضفتيه المعربدتين على أنفاس الجروف ..
ثم يُخلي سبيلها في رتابة تموسقها الأمواج المتكسرة على الجانبين في لهوٍ مستمر .
شمس المغيب تنشر لون الشفق الأحمر القاني على قمم الأشجار و النخيل في إحتفالية صامتة يكسر صمتها أصوات الطيور تذعن إلى أوكارها.
الجبال تلقي بظلالها من جهة الغرب .. فتزيد من الهدوء المخيم أوقات القيلولة و عند إنبلاج الفجر.
المعبد القديم يُلْقي مهابة ترقد في مخيلة كل من يمر بأعمدته الضخمة الراقدة على جانبي الطريق تحكي قصة قوم عمروا الأرض ثم إندثروا تحت ثراها.
عندما أتتْ ( عالمة الآثار ) الأجنبية بعربة ( اللاندروفر ) .. تجمَّع الأهالي للفرجة على هذه السحنة القرمزية و العربة التي تحمل الخيام و أمتعة أخرى .
بإبتسامتها الودودة .. إستطاعت ( الخواجية ) أن تكسب وُد الجميع في فترة وجيزة .
تعلمتْ بعض كلمات لهجة أهل القرية ..
و ذاقت طعامهم ..
و رقصتْ في أفراحهم ..
وثقوا بها و أدخلوها بيوتهم في كل مناسباتهم.
تكلفهم بأعمال تنفحهم أحياناً عنها أجراً .. و أحياناً تكتفي بإتسامتها الودودة
.

إسلام زين العابدين على سالم
حتى أنها عندما وجدتْ نصف تمثال مصنوع من البرونز مدفوناً بين تلال الرمال وسط المعبد ... إنطلق الكل للبحث عن نصف التمثال الآخر في كل أرجاء القرية بحماس دافعه خدمة هذه الغريبة التي جاءت من ( آخر الدنيا ) بحثاً عن إرث الأجداد.
نقبوا كل شبر من المعبد ...
عندما إنتابها اليأس ، أعلنتْ عن جائزة قيمة لمن يجد نصف التمثال ..
( محمود ) .. أستاذ القرية .. ألحَّ عليها ليعرف أهمية التمثال ..
قالت له : كما ترى فإن التمثال غير مكسور .. معنى ذلك بأن النصف المفقود قد تم نحته بطريقة لولبية ، أىْ يمكن فكُّه و تركيبه .. و نحن نعتقد بأن النصف المفقود به تجويف قد يحتوي على شيفرة تحل لنا ألغازاً أثرية في غاية الأهمية.


أطلق الأستاذ هذه المعلومة ، فإزدادت شعلة نشاط أهل القرية و حماستهم.
لكن دون طائل.
بحثوا في عمق أطراف النيل ..
و طال البحث حتى تخوم الجبال .. و المنازل القديمة المتهدمة و الخرابات العتيقة.
عندما تأكدتْ ( الخواجية ) من فشلها في العثور على النصف الثاني .. قامت ببناء غرفة طينية صغيرة و وضعتْ فيه النصف الذي وجدته و أغلقتْ عليه باباً و أوكلتْ حراسته إلى شاب من القرية إلى حين عودتها مرة أخرى...
فهي على ثقة بأن نصف التمثال لا يزال يقبع في مكان ما بالقرية.

الفنانة سليمى عثمان بابكر
حتى أنها عندما وجدتْ نصف تمثال مصنوع من البرونز مدفوناً بين تلال الرمال وسط المعبد ... إنطلق الكل للبحث عن نصف التمثال الآخر في كل أرجاء القرية بحماس دافعه خدمة هذه الغريبة التي جاءت من ( آخر الدنيا ) بحثاً عن إرث الأجداد.
نقبوا كل شبر من المعبد ...
عندما إنتابها اليأس ، أعلنتْ عن جائزة قيمة لمن يجد نصف التمثال ..
( محمود ) .. أستاذ القرية .. ألحَّ عليها ليعرف أهمية التمثال ..
قالت له : كما ترى فإن التمثال غير مكسور .. معنى ذلك بأن النصف المفقود قد تم نحته بطريقة لولبية ، أىْ يمكن فكُّه و تركيبه .. و نحن نعتقد بأن النصف المفقود به تجويف قد يحتوي على شيفرة تحل لنا ألغازاً أثرية في غاية الأهمية.


أطلق الأستاذ هذه المعلومة ، فإزدادت شعلة نشاط أهل القرية و حماستهم.
لكن دون طائل.
بحثوا في عمق أطراف النيل ..
و طال البحث حتى تخوم الجبال .. و المنازل القديمة المتهدمة و الخرابات العتيقة.
عندما تأكدتْ ( الخواجية ) من فشلها في العثور على النصف الثاني .. قامت ببناء غرفة طينية صغيرة و وضعتْ فيه النصف الذي وجدته و أغلقتْ عليه باباً و أوكلتْ حراسته إلى شاب من القرية إلى حين عودتها مرة أخرى...
فهي على ثقة بأن نصف التمثال لا يزال يقبع في مكان ما بالقرية.

 الفنانة نجوى يعقوب
إزدرد ( صابر ) الخبز المفتوت في ( كورية ) الحليب .. ثم مسح أطراف فمه بكُم جلبابه المتسخ .. و كرع ( كوزاً ) من ماء ( الزير ) المحاط بجوال قديم.. و تمدد على ( البرش ) الملقى على ( عنقريب ) الحبل.
سرعان ما علا شخيره ..
وقفتْ قربه لتتأكد من نومه ..
ثم تسللتْ ( طماية ) إلى حيث التمثال ..
أزاحت اللوح الخشبي و أنزلته ببطء على الأرض.
ثم بمنجل قديم .. راحت تزيح طبقة متراكمة من الطين اليابس أعلى نصف التمثال ..
كان الطين اليابس أصلب من كتلة أسمنت ..
إنزاحت الطبقة بعد جهد و عناء .. و بدا التمثال و كأنه يدعوها إلى الحفر إلى تجويفه ..
صارت تعمل المنجل فيتداعى الطين الجاف تراباً باهت اللون فتغرفه بيديها إلى الخارج ..
حتى إصطدم نصل المنجل بشيء صلب ..
فأدخلت النصل بين الجسم الصلب و حافة التمثال و أخرجتْ شيئاً أشبه ( بعشميق ) النخيل ..
لكنه كان متماسكاً .. و تفوح منه رائحة معتقة ..
وضعته على الأرض و بحذر شديد بدأتْ بقطع هذه الألياف ذات اللون الأرجواني الغامق ..
عندما إنزاحت طبقة خفيفة منه .. إنبثق غبار كثيف دفعة واحدة غمر وجهها..
صارت تسعل و تفرك عينيها ..
هرعتْ إلى الجردل و غرفت الماء بكفيها .. فغسلتْ وجهها ..
أفاق ( صابر ) قليلاً ثم عاود النوم ..
تكاد تجزم بأن هناك من يشاطرها المكان ..
أحستْ بثقل يجثم على صدرها و كأن هناك مَن يحاول أن يجعلها تستلقي على ظهرها .
كلما حاولت أن تقاوم هذه القوة الغامضة .. إزداد الدفع .. و رائحة الغبار تكتم أنفاسها ..
ثم طغت عليها غشاوة و إرتمتْ رغماً عنها على أرضية الحوش المغطاة بالطين الممزوج بروث البهائم..
حاولت أن تنادي ( صابر ) .. و لكنها تذكرتْ عاهته ..
أحستْ بأن جسداً يتمدد فوقها .. و يغمرها بالكامل من جبهتها حتى أخمص قدميها .. حتى أصاب الشلل أصابع يديها و رجليها ..


 عودة