aa  رأفت ميلاد

(2)  

 

وأعفانى إسـترسـاله فى الحديث من الرد على سـؤاله :
(أتذكر تلك الجثة التى وجدناها بالقرب من مخفر الشـرطة ؟ لا أعتقد بأنهم من قتلوه فقد كانت متعفنة الى حد ما .)

تزكرت ذلك اليوم ولكن طاف بى شـبح آخر . ذلك الطفل وهو محمول من ذلك الرجل وهو يحث السـير ورفيقه يحاول من إصلاح وضع ذلك الجسـد النحيل بين يديه.

إنها تلك الشـجرة "المسـكونة" . كانت شـامخة فى وسـط الحقول وحيدة تراها من من كل مكان وكل صوب .

يحكى بأن فقيه كان مسـافرآ للحج جلس تحتها يأخذ قسـطآ من الراحة . هجم عليه قطاع الطرق وقتلوه وإسـتولوا على زاده و ماله . منذ ذلك الحين وعند مغيب الشـمس تُسـمع منها أصوات. وتشـتعل النار فيها ليلآ . أو هكذا يقولون .

فى موسـم الزراعة لا يتثنى فى الطريق الى المدرسـة إلا أن يمر الأطفال من تحتها . كانوا يعبرون هرولة كأنه جزء من الطريق يجب إجتيازه هكذا . تتلاحق أنفاسى عندما أصير تحتها ويصيب قدماي خدر سـرعان ما يزول بعد أن أتخطاها .

فى الليالى المقمرة كنا نتجمع كل أطفال القرية كأنه إتفاق ملزم لنلعب " شـليل وحرينا وأم الحفر ..." وكل ألعاب القمر .

وكان هو طفل رشـيق الحركة نحيل الجسـد . يكاد يكون متفوق فى كل ضروب ألعاب القمر التى لا تخلو من البدائية فى عنفها وصلابتها كأنها حرب لها قوانينها وصرامتها العسـكرية والكفاح فيها لا يقبل التهاون أو التأنى .

بيننا ولد لايكبرنا كثيرآ فى عمره له جسم مفتول وثقة زعامة غير محببه . وكان الجميع يعلم غيرته من ذلك الطفل الرشـيق الذى يتفوق عليه . يعيد اللعب مرارآ بأعزار واهية ويبذل فى كل مرة كل طاقته ويكون دائمآ هو الخاسـر .

ليلتها كأنه كان على موعد مع القدر. تفوق من المرة الأولى . فأصاب الجميع وجوم كأنهم كانوا يحسـون بخطر ما . وقف الصغير فى إسـتسلام برئ ليلبى رغبة المنتصر . إنتبه الجميع متوجسـين من الحكم الذى يفرضه المنتصر .

أشـار الى الشـجرة بتشفـى كأنه يحقق حلمآ . أمره بالذهاب تحت الشـجرة والبقاء هناك ويحسـب له إلى الألف .

ذهب الولد نحو الشـجرة بين وجوم الأطفال وإبتلعه الظلام . تصايح الأطفال بأنفاس متلاحقة بدون توافق فى الأصوات الحسـاب بصوت عال نحو الألف . بنهاية العد لم يحضر الولد . بدأت الأصوات تتلاحق بمناداته ولا يجرؤ أحد من التقدم نحو الظلام الذى يلف الشـجرة . أتى رجلان عدوآ على الأصوات المحمومة التى تنادى . ودخلا الى الظلام وعادا يحملان ذلك الجسـد النحيل مفارقآ للحياة .
 

الفنان عجيب يوسف عجيب 

تكاسل صوت صديقى عبر الهاتف وأصبح يتمتم بعبارات غير مرتبة تنزر بإنتهاء المكالمة . لم أجزع ولم ألجأ الى فخ إجتزابه لمواصلة الحديث بما يثير مكامن الرغبة . لقد إكتفيت كما أكتفى هو لهذا اليوم .

فجأه دبت الحياة فى صوته وهو يقول :
(نعانى هذه الأيام من تتبع الشـرطة فى كل مكان . وإلتزمت المنزل تمامآ . أحد المجهولين يُعتقد إنه سـودانى قد إعتدى على ثلاثة من رجال الشـرطة أحدهم الآن فى المسـتشفى بالعناية المكثفة )

لم أبد إهتمامآ فلقد كنت قد وصلت الى قناعة نهاية الحديث . إسـتودعته متمنيآ له وبسـخرية حظ أوفر مع الشـرطة . وأردفت ضاحكآ :
( لقد كُتب علينا مواجهة الشـرطة الى الأبد .)

aa 

ضاع النوم تمامآ. خرجت من الغرفة فى طريقى الى "المطبخ" . وكدت أن أخطئ وأفتح الباب الى خارج المنزل . الثلاثة أبواب فى "متر مربع" (حمام ، مطبخ ، غرفة نوم) .

(ماذا تريد منا الشـرطة فنحن فى سـجن طواعية) . فكرت فى نفسـى متهكمآ .

فتحت "الثلاجة" وصرت أبحلق داخلها دون أن أعرف ماذا أريد .أغلقتها برفق ووقفت خلف النافذة أنظر لذلك الكسـاء الأبيض يغطى كل شئ وبعناية وتنسـيق .

(لماذا كل السـودانين ؟ قبل فترة قتل معتوه إحدى عشـرة شـخصآ داخل "كنيسـة" بإطلاق النار عليهم . لم تتابع الشـرطة بنو جلدتهم جميعآ . هل إذا كان القاتل سـودانيآ كان الحال هو الحال ؟ لقامت الدنيا ولم تقعد (ونصير كلنا قتلة ) .

ضحكت بصوت مسـموع وأنا أتذكر صديقى الذى ذهبت به زوجته الى مخفر الشـرطة بتهمة الشـروع فى إغتصابها .

 

معاذ جلال عبد اللطيف كنة 

ها قد صرنا محمد "المكوجى" عن أى عنصرية نتحدث نحن !!

كان محمد من قبائل جبال النوبة . كان يعمل "مكوجى" يأتى مرة فى الأسـبوع . هو رجل هادئ قليل الحديث . يؤدى عمله بإتقان ونظام تام . يتناول وجبة الطعام وحده ويعيد "العدة" نظيفة بدون كلمة شـكر فكانت جزء من مخصصاته . آخر النهار دون أن يُراجع عمله ودون أن يحسـب أجره يأخذه ويذهب .

إختفى محمد عن كل المنطقة وإختفت معه أشـياء ثمينة من المنزل . تم إبلاغ الشـرطة التى قامت (بإجراءات أمنية واسـعة النطاق !!) كما قالوا . لقد ألقت القبض على كل أبناء النوبة فى (الحلة) .

ذهبت مع أبى الى مخفر الشـرطة نسـأل عن القضبة .

كان مركزآ صغيرآ يتناوب عليه أربعة جنود وظابط نادرآ أن يأتى . رحب بنا عند الباب أحد الجنود وطمأننا أن لا نقلق فالتحقيق فى مسـاره الصحيح . فى الداخل تبادلنا التحايا مع آخر وعرفنا من زميله إنه المحقق . ذكر المحقق بأنه لا مانع لديه حضورنا جلسـة التحقيق .

أمر المحقق بإحضار المتهمين . فُتح الباب وأدخل أربعة رجال عاريين تمامآ ويمشـون على أربع وخلفهم شـرطى يأمرهم بالزحف كما يقود الدواب . رأيت من بينهم حسـن الذى كان يعمل معنا قبل محمد . قفز والدى واقفآ كمن لدغته عقرب . وغادرغرفة التحقيق وأنا أركض خلفه . ذهب الى الجندى خلف المكتب وطلب منه حالآ تحرير تنازل عن "البلاغ" وبين زهول الشـرطى أتى آخر وأكمل أوراق التنازل بدون جدال وبدأ عليه إضطراب واضح . وعند خروجنا من المخفر على البعد كان المتهمين يحثون السـير و هم لا يزالون يكملون إرتداء ملابسـهم .

رن جرس الهاتف ولكن الهاتف فى نفسى كان أقوى فلم أرد .

 

 

 
 

 (1)

 

هواتف االنفس عندما تأتى

 

جاء صوته عبر الهاتف بنفس "اللكنة" الخفيفة على لسـانه التى تميزه بين آلاف الأصوات
هل أنت نائم -

رددت بنبرة متكاسلة وصوت متقطع و أنا أمط جسـدى أمامى إلا ما لا نهاية بتلزز الخمول وخدر النوم
بعض الشئ -

قال بصوت مليئ بالأسف
آسف أدعك تنوم -

رددت بلهفة متداركآ بصوت كله تنبه خوفآ أن يتنازل من الحديث
لا لا أنا كنت قد صحوت لتوى -

ضحك فى حبور وأردف بسـخرية بأنه لم يتبقى لنا من زكرياتنا سـوى هذه المكالمات . كانت الحياة تدب فى جسـدى وهو يجترها معى كأنها بالأمس 

سـألنى بلهفة 

هل إتصلت به ؟ -

 

معاذ جلال عبد اللطيف كنة

كذبت عليه دون تردد بأنى لم لم أتمكن من الإتصال . بدأ يحكى لى كيف حصل على هاتفه . وكيف إتصل به مرارآ وكان الهاتف دائمآ مشـغولآ 

ربما كان مشـغولآ معى أو لم يضعه جيدآ . تحايلت عليه ليابدلنى الحديث . ولكنه إكتفى أن ينادينى بعد فترات صمت بكنية كان يحب أن يطلقها علىّ فى صبانا . كان يكابد البكاء أو هكذا خيل لى أنهيت المكالمة وأنا أتكلم كأنى فقدتها . لم يكن لى خيار آخر . فأنا أيضآ لم أقوى على الإسـترسـال

كيف وصل به الحال الى هذا الحد من الإنكسـار ؟

أفقت على صوت صديقى على الهاتف
(كم كان جسـور . كان يقتحم "القطاطى" ويخرخ من واحدة ويدخل الأخرى كالحصان الجامح)

لم أر يومآ حصانآ جامحآ فى حياتى فتخيلته وهو ثائر ذلك الحصان . خلفه "الفلاته" يضربونه بالعصى وهو أمامهم يخترق "القطاطى" غير آبه بالعصى التى تنهال على جسـده وترتسـم على وجهه المتعب إبتسـامة زهو وتحفز . توقف فجأة وتوقف مطارديه وتوقف الزمن . كأنهم أمام مارد من الجن . لم يعبأ بهم وعاد نحونا ومطارديه يتبعونه كحاشـية تزفه خوف أو فخر . إنضم إلينا وتابعنا سـيرنا فى صمت . . لم يتبعوننا ولكن وقفوا يرصدوننا حتى غادرنا القرية تمامآ

لم أكن أدرى هل كنت أحبه ؟ الحقيقة لم أكن أكرهه . كنا برفقته دائمآ فى مصادمات كان من الحكمة تفاديها . ولكن وجوده يحول الحكمة الى تخازل والعقل الى خوف وكنا مرغمين على القتال . معاركه لا تنتهى وكان دائمآ هو الخاسر . مواجهته دائمآ لمن هم الأكثر عددآ . لا يأبه بإصاباته حتى يفقد الوعى أحيانآ . .لم يكن أعدائه سـعداء بمنازلته رغم تفوقهم بل يفضلون البعد عن طريقه

واجهته يومها بعنف وحال بيننا الأصدقاء . لم يتحرك من مكانه وهو جالس على الأرض يعمل أصابعه فى التراب . وكنت أرقبه خفية وأعلم إنه يعلم أننى أراقبه وليس قادر أن أغير من الموقف شـيئآ . فجأة هب واقفآ وترك المكان دون أن يلتفت الى الخلف . شـعرت بنظرات العتاب فى أعين الرفاق .وكنت أعلم وكانوا يعلمون كم أنا مميز عنده . . فشـعرت بالأرض تهوى من تحت قدميّ

هالنى صوت صديقى على الهاتف كأنه يجول فى خاطرى يقول
لم تكن هى تلك المرة الأولى التى تقهره فيها 

أتذكر تلك المرأة التى كانت تعمل فى الحقل خلف القرية ؟ فقد كان
يعشـقها

ياسر علي محمد


شـعرت مرة أخرى بالأرض تميع من تحتى . شـعرت بأنفاسها تلفحنى . وريحة الحصير والقماش المعطونة تزكم أنفى . كانت تعمل فى فى الحقل طيلة النهار كأن الكون توقف من حولها . لا ترى إلا الأرض وهى تفلحها . إلتف جسـدها بإحكام بثوب أزرق مهترى مظهرآ سـاعديها المفتولتين ومفاتنها رسـمآ مفصلآ . لا تعيرنا إنتباه ونحن نمر بجانبها تلتهمها أعيننا بشـبق الفتوة المتدفق . لم أراها يومآ فى سـوق السـبت فى القرية حيث يأت البعيد قبل القريب فقط فى الحقل وهى تفلحه فكأنها جزء منه .

عندما يسـدل الظلام يترائى ضوء خافت من "قطيتها" فى ركن من الحقل يبعد من القرية قليلآ . قد يكون منار للمخمورين الذين الى يلجون القرية بعد ليلة حمراء قضوها فى الجوار .

تسـللت يومها الى "قطيتها" بعد زوال الشـمس بقليل حيث يري الإنسـان بالكاد موطئ قدمه . أزحت ببطء الثوب الأسـود الذى تدلى مغلقآ الباب , لم أبحث عنها فكانت أول ما وقعت عليه عيناى. كانت مسـتلقية على الحصير وعيناها مثبتان على عينيى كأنها تعلم بمقدمى . لم تتحرك ولم أع ما في عينيها . ولكنه لم يكن رعب أو إسـتعداء أو قبول .

تسـللت داخلآ تاركآ الثوب يسـقط خلف ظهرى يعزلنى معها عن كل العالم . جلست قربها . تلاحقت أنفاسـى ويدى تزحف ملامسـة يدها نحو صدرها . قبل أن أبلغ غايتى و بحركة خاطفة قبضت على يدي . . لم يتحكرك فىّ سـاكنآ رغم قبضتها التى أوجعت مرفقى . لم تزيح يدى بعيدآ بل وضعتها على نهدها برفق وعيناها لا زالتا مثبتان على وجهى . صارت تحركها حيث تريد هى . دون أن يتحرك جسـدها أطفأت شـعلة النار بيدها الأخرى . جذبتنى نحوها برفق وأطعتها حتى لامسـتها وهى مازالت بنفس القوة ممسـكة بيدى . طافت بها فى مواضع أخري من جسـدها وأنفاسـها تلفح وجهى . وبحركة مباغتة أخري كبلت يدى الأخرى وصارت فوقى . و فى ذلك الظلام الحالك كنت أشـعر بعينيها ترمقانى بثبات . تحركت ببطء زاد عنف وعنفوان . أصيبت ببعض إغماءه وأنا فى ذروة الألم . عندما تمالكت نفسـى وهدأت أوصالى وجدتها مسـتلقية بقربي وشـعلة النار متوهجة وهى ترمقنى بنظرة أخري .

تعالت ضحكات صديقى حتى تحشـرجت الكلمات فى حلقه وهو يقول :
(هل شربت شـيئآ يوم أن ذهبت إليها ؟ )

 

معاذ جلال عبد اللطيف كنة 

 


 ►عودة